Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!

أوروبا توصّلت لإتفاق حول اللاجئين ونجاح غير متوقع لميركل واتفاق لا إنساني…..تابع معنا

243

الأزمة بدأت علي النحو التالي..إيطاليا..وصل إليها خلال العامين الماضيين قرابة 183 ألف لاجئ..الهدف النهائي للاجئين ليس روما..إنما إحدي وجهتين..برلين أو لندن..فرنسا توسّعت في إخلاء مخيمات اللاجئين الراغبين في العبور للجبهة البريطانية..برلين إذن خيار أسهل..تسمح روما ومن ثمّ فيينا بعبورهم..يصلوا بايرن أخيرًا..بايرن يحكمها الحزب المسيحي الإجتماعي..الحزب البافاري بدأ في تبني خطاب شعبوي..في البدء أمر رئيس وزراء الولاية بتعليق الصلبان في المؤسسات الحكومية البافارية، حفاظًا علي الجذور المسيحية للحضارة الأوروبية..ثم أتي الدور علي زعيم الحزب هورست زيهوفر..كان قد اشترط علي ميركل للدخول في ائتلاف حكومي أن تضع سقف أقصي للاجئين بواقع 200 ألف..المستشارة كانت في أزمة بعد 6 أشهر من الفشل في تشكيل حكومة عقب انتخابات صعدت باليمين المتطرف للبوندستاج..وافقت وحصل زيهوفر علي المنصب الذي يُمكّنه من رقابة حركة اللاجئين..وزارة الداخلية في الحكومة التي تشكّلت منذ 3 أشهر..استقرار؟..لا..زيهوفر يضرب من جديد..اللاجئين الواصلين من إيطاليا..لا بد من طردهم إلي الحدود البافارية..السبب؟ أنهم مسجلين في إيطاليا وهي التي يجب أن تتحمل الفاتورة..أوروبا تغلي..وإيطاليا لم تعد كما كانت.

هناك حكومة جديدة في روما..لها جناحان..الرابطة اليميني المتطرف، وحركة النجوم الخمس اليمينية الشعبوية..حزب الرابطة مُعاد لأوروبا..لم يبدأ كذلك..بدأ باسم رابطة الشمال من أجل استقلال بادانيا..إمبرتو بوّسي رئيس الرابطة صدّر خطابا مفاده أن ولايات الشمال الإيطالي الغنية تُعيل أبناء الجنوب الكسالي..والحل في الإنفصال..شاب صغير تقلّب من أقصي اليسار لأقصي اليمين..استغّل فضيحة مالية عصفت بزعيم الرابطة بوّسي..أصبح قائد الرابطة..غيّر خطابها من الانفصال إلي معاداة الهجرة واليورو..بل سعي للحصول علي أصوات أبناء الجنوب الإيطالي في مسعاه لدخول الحكومة..كان له ما أراد..ماتيو سالفيني أصبح وزيرًا للداخلية..الرجل لا يخفي أبدًا موقفه المتشدد تجاه برلين ألمانيا ترفض توصيف نفسها بالقوة العظمي هي قوة مدنية تستخدم الإقناع والدبلوماسية وسياسة الحوافز لتحقيق أهدافها..ليس هذا مُريحًا لليمين المتطرف الإيطالي ينظر إلي ألمانيا بأنها استبدلت قوتها العسكرية للسيطرة علي أوروبا بالقوة الاقتصادية..برلين مثلًا تُصدر للعالم سلعًا وخدمات بقيمة 1,2 تريليون يورو سنويًا النسبة الأكبر من تلك الصادرات، تحديدًا 750 مليار يورو، تذهب لدول الاتحاد الأوروبي، بينما تستورد منها ألمانيا ما قيمته 680 مليار يورو، أي أن برلين تحقق فائضًا تجاريًا بقيمة 70 مليار يورو مع دول الاتحاد، وهو ما يعادل ثلث الفائض التجاري الألماني إجمالًا والمُقدر ب 240 مليار يورو..ألمانيا إذن تستفيد من الإتحاد في إنعاش صادراتها..بينما روما تغرق في مديونية ثقيلة بلغت 133%..أمر لا يعجب سالفيني ورفاقه الذين يرون الإتحاد الأوروبي مشروعًا للهيمنة الألمانية.

ليست الهيمنة الإقتصادية هي ما تزعج روما الجديدة فحسب..قضية اللجوء..هناك دول تُسمي ب ‘‘دول المواجهة‘‘..أي الدول الواقعة علي شواطيء المتوسط والتي تستقبل اللاجئين أولًا..اليونان، إسبانيا، وإيطاليا..اليونان باتت مصدر جذب ضعيف لأنها تحولت بعد الاتفاق التركي-الأوروبي إلي سجن للاجئين، يبيع البعض أجسادهم ويتاجر البعض في المخدرات ومن ينجو من المافيا يغرق في برك الصرف المتهالكة في المخيمات وقبلها في انعدام الأمل بإكمال الرحلة إلي داخل أوروبا بعد إغلاق الحدود مع مقدونيا..والهجرة الوافدة لإسبانيا من المغرب في أدني حد ممكن منذ العام 2005..تبقي إيطاليا..يقطع الأفارقة الصحراء..وصولًا إلي ليبيا اللادولة..يتعرضون لكم مريع من الانتهاكات الجسدية والنفسية..تبيعهم العصابات إلي الزوارق التي تعبر طريق الموت في المتوسط..6300 لقوا مصرعهم غرقًا في 2017 والأشهر الست الأولي من 2018..بينما نجح 183 ألف في بلوغ روما..بالطبع تسمح روما لهم بما يُسمي ‘‘الهجرة الثانوية‘‘..تجعل اللاجئ يبصم ويسجل نفسه في إيطاليا، لكنه يتحرك داخل الإتحاد وصولًا لبرلين..وهو ما يرغب وزير الداخلية الألماني في إيقافه بدعوي إنتهاك قواعد دبلن المنظمة للجوء..دبلن؟..إيطاليا تعترض عليها من الأساس..والحجة بسيطة..ما ذنب روما أنها ابتلت جغرافيًا بوقوعها علي شاطيء المتوسط لتحمل بمفردها العبء الذي تفرضه اتفاقية دبلن، والتي تقضي بأن دولة الوصول هي دولة اللجوء..ثم أن الإتحاد الأوروبي وعد روما وأثينا في سبتمبر 2015 بتوزيع 160 ألف لاجيء علي باقي الاتحاد، والمحصلة 24 ألف في 3 سنوات فقط..الجغرافيا لن تكون عقابًا لإيطاليا ولن تلتزم باتفاق دبلن طالما رفض باقي الإتحاد تقاسم الأعباء.

ميركل واقعة في مأزق مُركب بين إيطاليا التي تُصدر اللاجئين إليها وحليفها في بايرن الذي يرفض هؤلاء اللاجئين ويهدد بطردهم وإغلاق الحدود..وطبعًا سترد النمسا المحكومة بوزارة من يمين الوسط واليمين المتطرف بإغلاق الحدود أيضًا..وقتها..صلب الفكرة الأوروبية، أي مبدأ حربة الحركة، سيتعرض لضربة قاتلة..الأسوأ أن زيهوفر أعطاها مهلة إلي يوم 1 يوليو إما أن تتوصل لحل أوروبي يُوقف تلك الهجرة الثانوية، أو يغلق الحدود..وقتها ستقيله المستشارة علي الفور، وستنهار الحكومة، وتنتهي ميركل سياسيًا للأبد ميركل دخلت القمة الأوروبية بفرصة وحيدة..إما حل أوروبي أو نهاية مسيرتها..ما حدث قبل القمة هو التعريف العملي للسياسة في أنقي صورها بالتعبير المصري الدارج..خد وهات..ميركل تحتاج لحلفاء..ماكرون حاضر طبعًا لتأييد ميركل..لكن لديه طلب تُعطله المستشارة منذ عام..ميزانية أوروبية مشتركة وافقت المستشارة دون تحديد آلية تمويل الميزانية التي تنطلق عام 2020..وبالمثل وافق ماكرون علي دعمها في مواجهة إيطاليا.

حبس الإيطاليون أنفاس الجميع طيلة 14 ساعة من التفاوض..فجر اليوم الجمعة..أٌعلن عن الإتفاق الأوروبي الجديد..بنوده كالآتي..إيطاليا ستوقف الهجرة الثانوية لألمانيا..لكن..عندما يصل اللاجئون إلي إيطاليا..لن تكون محطتهم الأخيرة..سيتم إنشاء معسكرات لتجميع اللاجئين في دولة ما..هناك تُفحص طلباتهم..المقبول منهم سيتم توزيعه علي دول أوروبية متطوعة، والمرفوض سيتم ترحيله..ليس هذا فحسب..قبل إسبوعين..كان اللاجئون يتدفقون عبر المتوسط ..تنقذهم سفن وتنقلهم لشواطيء أوروبا..لا يمكن إعادتهم لليبيا حيث تستعر حرب أهلية..كانت إيطاليا توافق علي استقبال تلك السفن..ماتيو سالفيني أنهي ذلك..أغلق موانئه..سفينة لايف لاين الألمانية مثلًا اضطرت للرسو في مالطا..ومنها تم توزيع اللاجئين في إسبانيا..الحل الجديد الذي توصلت إليه القمة..أن السفن لن تنقل اللاجئين إلي أوروبا عند إنقاذهم من الغرق في المتوسط..ستعيدهم إلي إفريقيا، للإقامة في مخيمات وفحص طلبات لجوئهم من هناك..وهنا الخطر الإنساني المريع..بروكسل تضع نصب أعينها أربع دول لتلك المخيمات..مصر، تونس، المغرب، الجزائر..وكلها بلا استثناء ترفض..ماذا إن فشلت أوروبا في تأمين محل توطين؟ ماذا ستفعل باللاجئين الممنوعين من ولوج شواطئها؟ تتركهم للبحر أم تعيدهم إلي ليبيا حيث إغتصاب اللاجئين واللاجئات أمرًا اعتياديًا؟ أم تلجأ لدولة إفريقية متهالكة في جنوب الصحراء لإقامة معسكرات مميتة مقابل مساعدات عابرة؟

ميركل انتصرت -مؤقتًا- بأوروبا علي خصومها في الداخل جرّدت زيهوفر من حججه للإطاحة بها وها هي تنتظر أن يتراجع نهائيًا عن مهلته..دعني أخبرك أمرًا أخيرًا..القضية في ظاهرها قضية لاجئين..هناك جانبًا من الصواب في ذلك بلا شك، حتي مع تراجع الأعداد من مليون في 2015 إلي نحو 172 ألف في 2017 لكن العنوان العريض لكل ذلك الصراع المرير بين ألمانيا وإيطاليا، وألمانيا والنمسا، وغرب أوروبا وشرقها..هو تضخم الإحساس بالهوية، وإعادة بعث القوميات، وإعادة التأكيد علي مركزية الرجل الأبيض الأوروبي في مقابل خطاب المجتمع الملون..ماتيو سالفيني..وزير الداخلية الإيطالي اليمني المتطرف في حواره مع دير شبيجل قبل أيام..قال نصًا..بأن مصير أوروبا الموحدة سيتقرر خلال عام..ربما علينا الإنتظار..وبينما نفعل..سيعيش اللاجئون مستقبلًا أكثر قتامة بفعل الإتفاق الضبابي الذي أبرمته ميركل معسكرات تجميع، استعباد، شواطيء مُغلقة، غرق والعقاب عند النجاة ترحيل لأوطان، لا تكتسب الحياة فيها أفضلية عن الموت أوطان مصطنعة أين بنت أوروبا فوائضها المالية من النهب الاستعماري قديمًا، وأين تثري الشركات الأوروبية حديثًا من كل دولار تضخه، فتخرج مقابله 6 دولارات من القارة..12 ألف قتيل سقطوا في البحر المتوسط خلال الأعوام الأربع الماضية..والأمل ألا يكون ثمن إنقاذ رقبة المستشارة وراحة الناخب الأبيض الأوروبي 12 ألف آخرين.


There is no ads to display, Please add some

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد